بقلم : محمد سعيد ناود
إرتريا تبدع دوما، ولها إشرافاتها منذ وقت مبكر في مختلف الحقول. لذلك من المهم تسجيل إشراقات الرعيل الأول من الآباء والأجداد في صفحات التاريخ الإرتري لتقتدي بها الأجيال الحالية والقادمة. نسمع الآن ونقرأ عن البيوتات المالية في الغرب عموما والتي تقوم بتسخير جزء من أموالها في تمويل البحوث والمخترعات والدراسات والأعمال الخيرية. كما يقوم بعضها بتبني النوابغ من الشباب والصرف عليهم وتوفير كل احتياجاتهم، بل والصرف على النهضة في مختلف الحقول. والذين يقومون بمثل هذا العمل
يتم تعريفهم بالرأسمالية الوطنية. والعكس هم المتخلفون الذين يكتنزون ملايين الأموال في حسابات سرية بالبنوك تضيع بعد رحيلهم، كما حدث لكثير من مليارديرات العالم الثالث من الحكام الجشعين، وهناك من يتركون ثرواتهم الطائلة للورثة الذين يبعثرونها يمينا ويسارا فيما لا يجدي مجتمعهم.
في إرتريا لدينا نموذج رائع للرأسمالية الوطنية الواعية والمتنورة، يستحق أن نسلط عليه الأضواء، وقد برز قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، ذلكم هو الشيخ بشير عثمان بشير. وقبل الحديث عن أعماله سوف نقدمه للقراء في سطور قلائل:
اسمه: بشير عثمان بشير
تاريخ ميلاده: عام 1910م
مكان الميلاد: مصوع
هو من الأسر الإرترية الثرية المعروفة في ذلك الزمان. وينتمي الشيخ بشير لذلك الجيل العصامي في إرتريا والذي أدرك قيمة العلم وبالتالي علم نفسه بنفسه عندما سد الاستعمار الإيطالي أبواب التعليم أمامه. ولذا كان الشيخ بشير ونتيجة للجهد الذي بذله، يجيد اللغات العربية والإيطالية بجانب التجري والتجرينية، وباعتباره من رجال المال والأعمال لم يحصر نفسه في الجري وراء الربح المادي فقط، بل ثقف نفسه بسبب نهمه للمعرفة وممارسة القراءة والإطلاع على أمهات كتب التراث والصحف السيارة والمجلات بشكل دائم. أيضا كان مهموما ومهتما بدراسة علم الفلك والقراءة عنه، بالإضافة إلى تعمقه في الدراسات الإسلامية، ولم يكن أقل شأنا من أي عالم متخصص في هذا المجال. كما أن اهتمامه بالتاريخ وبعلوم أخرى لم يكن أقل من دراساته الإسلامية. وكل من كان يجلس إليه أو يقترب منه ويستمع لأحاديثه كان يحس بأنه أمام موسوعة.
تسخير أمواله فيما يفيده ويفيد المجتمع
من أنشطته المالية البارزة قيامه بافتتاح مطبعة في العاصمة أسمرا، بعد أن جلب لها أجهزة متطورة للطباعة استوردها من الخارج. كانت تلك المطبعة تقوم بطبع الصحف والدفاتر وغيرها، وهذه من اللمسات المتطورة في ذلك الزمان البعيد، بالذات في مجال الاستثمار الصحيح والتطوير للأموال بدلاً من اكتنازها وحفظها دون تسخيرها في خدمة المجتمع. وأيضا في سبيل النهوض بالمجتمع وتسخير الأموال واستثمارها بالشكل الصحيح، تعاقد مع شركة إيطالية للتنقيب عن الذهب والمعادن الأخرى. إلا أن هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية تسبب في صرف النظر عن المشروع وتوقفه.
أعماله تتحدث عنه
في مقدمة أعماله وأبرزها ارتباطه المبكر بقضية وطنه وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وشروع شعوب المستعمرات بالمطالبة بحق تقرير المصير. عندئذ ومنذ البداية، عند بروز الحركة الاستقلالية في إرتريا ارتبط بها الشيخ بشير عثمان بشير وأصبح رمزا من رموزها الأساسية، ومنادياً وبصوت عال باستقلال إرتريا، بل نجح بتسخير أمواله لخدمة هذه الغاية. فقد كان يقوم بالتمويل المالي للزعامات الوطنية وتأمين مصاريفها الشخصية ومصاريف أسرها. بالإضافة إلى ذلك أصبح يقوم بتمويل الوفود الإرترية من أقطاب الحركة الاستقلالية ماليا، في سفراتهم إلى الخارج لعرض قضية بلادهم في المحافل الدولية, وبالذات إلى الأمم المتحدة، بحيث لا تقف قلة المال عقبة أمام تأدية رسالتهم الوطنية، وكان ذلك يمثل نظرة عميقة وصحيحة لدور المال في مثل هذه الأنشطة الوطنية، خاصة وأن إثيوبيا وفي تلك المرحلة أغدقت أموالا طائلة في الرشاوى والفساد من أجل محاربة الحركة الاستقلالية.
قام آنذاك أيضاً بإنتاج فيلم متحرك وغير ناطق عن رحلات الوفود الإرترية الداعية لاستقلال إرتريا إلى الخارج عموما وإلى الأمم المتحدة بصفة خاصة. ويعتبر ذلك سجلا تاريخيا حيا وهاما بالإضافة إلى انه كان في حينه عملا إعلاميا مؤثرا وصحيحا بكل المعايير الإعلامية والسائدة حتى اليوم.
ومن أبرز أعماله التي دخلت التاريخ الإرتري من أوسع وأنصع أبوابه، إصداره لصحيفة (صوت الرابطة الإسلامية الإرترية.. أسبوعية.. سياسية.. ثقافية.. اقتصادية)، حيث كان الشيخ بشير صاحب امتياز هذه الصحيفة التي أصدرها في عام 1946 وظلت تصدر بانتظام لسنوات طوال. وقدمت خدمات جليلة للحركة الاستقلالية خصوصا وللمجتمع الإرتري عامة، وكان ذلك عملا واعيا ومتطورا، لأن أي حزب أو اتجاه سياسي لابد وأن تتوفر لديه صحيفة أو إصدارات متعددة تعبر عنه وتشرح أهدافه وتصبح رابطا بينه وبين الجمهور، وتكون لسان حاله، وأي حزب لا يملك ذلك فإنه يصبح ناقصا لأهم مقومات بقائه واستمراره ونموه.
ومنذ صدور صحيفته، اختار لها أسماء ورموز معروفة لتحريرها أمثال الزعيم الوطني الأستاذ الشهيد عبد القادر كبيري المدير المسئول عنها، والأديب ياسين باطوق كمحرر، بل إن هذه الصحيفة استقطبت أقلاما من المثقفين والأدباء الإرتريين بعضهم كان يكتب باسمه وآخرون تحت أسماء مستعارة مثل (الجاحظ ) و(أبو نواس) وغيره. بل إن هذه الصحيفة تعتبر مفخرة لإرتريا مقارنة بالوقت المبكر الذي صدرت فيه أي في نهاية النصف الأول من القرن العشرين. وفي مقدمة هموم واهتمامات الصحيفة كان متابعة القضية الإرترية التي كانت تناقش آنذاك بالأمم المتحدة وظلت تتابع تحركات الوفود الإرترية وأخبارها وأنشطتها وتقوم بتغطيتها في كل أعدادها بأدق تفاصيلها. كما كانت تقوم في الوقت ذاته بمتابعة الأخبار العالمية على صفحاتها. بالإضافة إلى الأخبار الداخلية في إرتريا. ورغم إن الأرشيف