لا يخفى على أحد أن اندلاع الكفاح المسلح كان تطورا تاريخيا هاما أو تواصلا حتميا لمسيرة الكفاح السلمي التي خاضها شعبنا في العقود الماضية . ومع أنه يصعب حصر من كانوا يرغبون في تفجير الكفاح المسلح إلا أنه مما لاشك فيه أن قلة قليلة هي التي أخذت زمام المبادرة ولعبت الدور النشط في تحويل الحلم إلى واقع معاش ألتف حوله الإرتريون بأعداد كبيرة تتزايد من يوم لآخر إلى أن شمل كل منزل وأسرة . وهنا سنلقي الضوء على واحد من هؤلاء الأبطال الذين رأوا أنه لاخيار أما الشعب الإرتري غير الكفاح المسلح لتأكيد حقوقه وصيانة هويته . .. أنه الشهيد البطل طاهر سالم.
ولد الشهيد طاهر سالم في عام 1922م في بلدة ( وازنتت ) بمديرية سنحيت وكان أصغر أخوته الأربعة ويصفه أترابه الذين كبروا معه انه الطفل الذي شب عن الطوق دون أن يمر بمراحل الطفولة العادية وذلك لأنه كما يروي هؤلاء الأتراب ، لم يكن يلجأ إلى الكذب كما يفعل الأطفال الآخرون كما أنه لم يكن يحب اللعب ولايتوانى عن تنفيذ أي مهمة توكل إليه بسرعة غير عادية إضافة إلى ذلك كان يدافع عن المظلومين من أترابه . يقول شقيقه محمد سالم ، عندما كان طاهر في الثالثة عشر من عمره كان يفصل بين المتشاجرين من أترابه ويلعب دور القاضي وفي الخامسة عشر من عمره التحق الشهيد طاهر سالم بصفوف الجيش الإيطالي وعندما بلغ السادسة والعشرين هاجر إلى السودان الذي كان يرزح تحت حكم الاستعمار البريطاني ، وألتحق بالجيش البريطاني كما كان يفعل الكثير من المهاجرين الأرترييبن . وفي عام 1958م عقد لقاء بمبادرة من عدد كبير من الجنود الإرتريين الذين كانوا يعملون في الجيش السوداني وكان من بينهم الشهيد طاهر ، وقد دعى الشهيد طاهر سالم والشهيد آدم فندفل إلى أن تأكيد حقوق الشعب الإرتري التي تمادت أثيوبيا في انتهاكها لايمكن أن يكون من خلال المسيرات السلمية وإنما من خلال النضال السري أو الكفاح المسلح . هذه الفكرة التي لم يكن هناك بديلا أفضل منها جعلت الشهيد طاهر ورفاقه يفكرون في أنه لا خيار في تحويلها إلى حقيقة ملموسة سوى التعجيل بتنفيذها وقد كان للشهيد فضل كبير في ترجمتها على أرض الواقع . لقد قرروا الاتصال ببعض الإرتريين في أرض الوطن ممن لهم صيت أو يتمتعون بكفاءات معينة ، وقد تم فعلا الاتصال سرا بالسيد إبراهيم سلطان والسيد إدريس محمد آدم . وعقب ذلك ذهب الشهيد طاهر سالم إلى منطقة بركة للاتصال بعبد الله إدريس عبد الله وحامد نور اللذين كانا قد أعفيا من الخدمة في الجيش السوداني وأتفق معهما على أن يعملا على إحضار كل من السيدين ابراهييم سلطان وإدريس محمد آدم إلى مدينة كسلا ويقال أن هناك شخص ثالث أسمه حاج موسى كان صديقا لطاهر سالم قد ساعد في قدوم إبراهيم سلطان وإدريس محمد آدم إلى كسلا . وبوصول السيدان أقاما في منزل الشهيد طاهر لثلاثة أيام ثم نقلهما طاهر ورفاقه إلى منزل الزعيم الروحي الكبير حسن الميرغني وذلك زيادة في الاحتياط على سلامتهما وبعدها بيوم واحد توجها إلى الخرطوم وأقاما في منزل الحسيب النسيب السيد علي الميرغني . وفي بداية العام 1960 م لم يكن طاهر سالم وآدم قندفل وغيرهم يتقيدون بشكل حرفي بالتوجهات التي كانت تصدر إليهم من القيادة وإنما كانوا يتخذون عدداً من المبادرات لجمع الأموال والمواد العينية التي تمكن من بدْ الكفاح المسلح ، كما أنهم كانوا يعملون على حل الخلافات التي كانت تنشأ بين الأعضاء . لقد ذهب الشهيد طاهر سالم إلى منطقة بركة وأتصل بالبطل حامد عواتي الذي كانت شهرته قد عمت بين سكان النارا والبني عامر والماريا مهيئا بذلك الأجواء لاندلاع الكفاح المسلح . لم تكن سلطات الاستعمار الإثيوبي بغافلة عن تحركات الشهيد طاهر سالم ولذا فقد سعت للقبض عليه بشتى السبل ولما لم تتمكن من أن تطاله تقدمت بشكوى إلى حكومة السودان فتم إبعاده من مدينة كسلا وعاش لفترة في شبه حالة منفى ولكنه عاد من جديد إلى كسلا في عام 1962م لأنه كان قد أتم فترة خدمته في الجيش السوداني ولم يمكث كثيرا في كسلا إذ توجه برفقة ما لايقل عن مائة من الإرتريين الذين كانوا يعملون في الجيش السوداني وألتحق بصفوف الثورة الإرترية ، وكان الشهيد طاهر سالم قبيل توجهه إلى ساحة القتال قد جمع سرا نساء الجنود الذين توجهوا معه إلى ساحة القتال وأبلغهن " انه من اليوم وصاعدا ستقع عليكن مسئولية تربية الأبناء ولهذا فأنه عليكن أن تنهضن بهذه المهمة وتعملن على توفير نفقات معيشتهم حتى لو أضطركن الظروف للعمل كخادمات أو الاشتغال في بيع الكسرة أما أزواجكن فقد تحملوا أعباء مسئولية أضخم ولهذا فنحن ذاهبون ولانريد منكن إلا الدعاء لنا بالتوفيق ومن جانبنا نتمنى لكن التوفيق والسداد " . عندما ألتحق الشهيد طاهر سالم بالميدان ظل كعادته يعمل بكل أخلاص وتفان ولم يكن لديه أي أطماع في تسلق مواقع السلطة التي كان يتهافت عليها الكثيرين آنذاك ولهذا فأن سجله نظيف من أي فساد يتعلق باستخدام النفوذ رغم انه كان في أحدى الفترات قد تقلد القائد العام لجيش التحرير الإرتري . ولما كانت الثورة تفتقر في بدايتها لقيادة كفوءة ، فقد تأججت خلال المسيرة الخلافات القبلية والدينية والإقليمية سواء في صفوف المقاتلين أو الشعب وقد حاول الشهيد طاهر سالم جاهدا من أجل رأب الصدع الذي أصاب الثورة وأحد الأمثلة على ذلك موقفه المعارض بشدة لفكرة المناطق في عام 1965م ، وقد بقي الشهيد طاهر سالم متشبثاً بمواقفه هذه إلى أن أستشهد ببسالة في أحدى المعارك الطاحنة التي دارت مع العدو في منطقة تعرف بـ ( أقرع ) وذلك في 5/11/1965م , ومهما يكن فأن طاهر لم يرحل عنا إلا بجسده وأن روحه لاتزال ترفرف فوقنا فقد توارثت الأجيال التالية ماكان يتحلى به من صفات .وستظل ذكراه محفورة في قلوب الشعب الإرتري إلى الأبد .
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.
Re: من سجل الخالدين : الشهيد البطل طاهر سالم (التقييم: 0) بواسطة Anonymous في الأثنين 28 سبتمبر 2009
سمعت في منتصف الثمانينات في السودان ان الشهيد البطل طاهر سالم كان من أكثر رواد الثورة الارترية كتابة وتسجيلا لمذكراته ويأتي بعده في هذه الصفة وبشكل جنوني اسياس أفورقي الذي كان يسجل ما يقوم به خلال اليوم كله. نتمنى من موقع ناود والمواقع الارترية الأخرى المهتمة بالتأريخ والتراث مثل موقع فرجت البحث عن هذه المذكرات بالتعاون مع أهله وذويه لنشر هذا التراث الثوري. أخيرا شكرا لكم على هذا الموقع المتميز ونتمنى ان تقومو بموضوع الترجمة من والى اللغات الارترية الأخرى حتى نتعرف على بعضنا البعض ونخاطب بعضنا البعض ايضا شكرا أخوكم عبد الرحيم الشاعر